ينعقد في ​روما​ من 6 إلى 10 تشرين الأول ​السينودوس المقدس​ للروم الملكيين الكاثوليك لبحث شؤون الطائفة وشجونها. وهو عمليًا الاجتماع السنوي الوحيد لكل أساقفة الطائفة، بالإضافة إلى الرؤساء والرئيسات العامين. يبدأ السينودوس عادةً بخلوة روحية يلقي العظة فيها أحد الأساقفة المنتخبين حديثًا، ويتابع بدراسة جدول أعمال موزع مسبقًا، ويُختتم بانتخاب أساقفة على الكراسي الشاغرة. أمام هذا المجمع استحقاقات كثيرة وتحديات أكبر. للبعض، التحدي هو في اختيار الرجل المناسب للأسقفية، ومن ثم مطابقة المنتخب على الأبرشية التي تتوافق والكاريزما المعطاة له. وبالنسبة إلى البعض الآخر، الاستحقاق هو موعد إعلان القداس الاحتفالي الذي فيه يُكرَّس الأب ​بشارة أبو مراد​ طوباويًا على مذابح الكنيسة جمعاء، وهو أول طوباوي في الكنيسة الملكية. ولآخرين، الضيقات المالية التي تعانيها العديد من الرعايا والأبرشيات حتى الرهبنات. ولآخرين، ​قلة الدعوات الكهنوتية​ والرهبانية، بل انعدامها كليًا. أيضًا وأيضًا، الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني الصعب جدًا في لبنان وسوريا والعراق ومصر، لا سيما الاضطهاد العلني أو الضمني للمسيحيين، ما دفع بهم إلى الهجرة، وصولًا إلى خطر انقراض المسيحيين من المشرق. كذلك، انحدار عدد الولادات والعمادات والأكاليل بشكل كبير، والارتفاع في عدد حالات بطلان الزواج. ومن التحديات أيضًا، الواقع الجديد الذي فرضه ​الذكاء الاصطناعي​ وما خلقه من إشكاليات ومعوقات. ناهيك عن طغيان وسائل التواصل الاجتماعي على التواصل الاجتماعي، وما نتج عنها من عقبات أسرية ومجتمعية. هناك أيضًا تساؤلات كثيرة للشبيبة عن الهوية والليترجيا والبعد الثقافي والفكري لكثير من الإكليروس عن همومهم وهواجسهم. والعكس صحيح أيضًا، أي الانغماس مع الشبيبة لدرجة فقدان الهوية الكهنوتية الشرقية المحافظة. تحديات التقدم في السن لكثير من الإكليروس، دون وجود العناصر الشبابية، بل حالات كثيرة من ترك الحالة الإكليريكية طوعًا إلى الحالة العلمانية. حالات تسلط وتجبر وتفرد بالسلطة وتهميش وإقصاء... مشاكل داخلية وحالات من عدم الثقة بين بعض الإكليروس وبعض الأساقفة وبعض العلمانيين، بسبب تصرفات دون المستوى، واللامبالاة، والفوقية، والهروب من تحمل المسؤولية، والتأخير في اتخاذ القرارات حتى التسويف.

كل ذلك غيض من فيض. ولن أتحدث عما يُهمس به في الأروقة. لكن التحدي الأكبر، والذي أتى من حيث لم يتوقعه أحد، هو الوثيقة الجديدة (Mutua Concordia أو ​التوافق المتبادل​). هذه الوثيقة هي إحدى نتائج المسار السينودوسي الذي أطلقه قداسة البابا الراحل فرنسيس، وتبنّاه وسار به ​قداسة البابا لاوون الرابع عشر​. في الحقيقة، تمت مداولات في الفاتيكان في خريف سنة 2024، حيث عُيّنت لجنة لصياغة الوثيقة الختامية لهذا المؤتمر، وكان من عداد هذه اللجنة ​غبطة أبينا البطريرك يوسف عبسي​ الكلي الوقار. صيغت الوثيقة الختامية للسينودوسية ببركة قداسة البابا. واليوم بدأنا بقطف ثمار هذا المسار الذي أُطلق، وسيستتبع بمقررات أخرى على صعيد الكنيسة جمعاء. مما لا شك فيه أن قداسة البابا لاوون يُولي اهتمامًا خاصًا بكنائس المشرق، وهو على اطلاع دقيق بما يجري. والملفت أيضًا السرعة في اتخاذ القرارات فيما يخص تلك الكنائس. من هنا ينبع التحدي الأكبر، برأيي، للمجمع المزمع أن ينعقد، بمواكبة هذا الفكر الجديد بذهنية منفتحة وقلب ملؤه الرجاء. هذا النهج الجديد، في حال أُخذ على محمل الجد، وأقول في حال، ينبغي له ورش عمل كبيرة على صعيد الكنيسة، لأن فيه معمودية جديدة. نعم، لأنه فيه موت وقيامة. موت عن الأنانية والانعزالية وشهوة السلطة والتسلط، وقيامة لإنسان جديد متواضع، يعرف حجمه بين الأمم، يسعى بجد ونشاط، يطالب بالشفافية والمحاسبة، ويضع نصب عينيه مجد الله، أي الإنسان. قد نسينا أو تناسينا دعوتنا الوحيدة إلى القداسة، ولهذا الأمر أسباب كثيرة. ليس أولها سوء اختيار الدعوات، وليس آخرها اللاهوت الهدّام للإيمان.

نصلي اليوم على نية آبائنا الأساقفة وغبطة أبينا البطريرك يوسف الكلي الوقار، أن يُلهمهم المخلص بروحه القدوس الاختيار الموافق لقلبه القدوس، لمن أرادوا ولما هو خير للكنيسة. نشد على أيديهم أن يكونوا على مثال النبي والسابق لمجيء المسيح يوحنا المعمدان. أن يكونوا على قلب واحد ونية واحدة. صوتًا صارخًا في هذا الزمن الصعب: هيئوا طريق الرب، واجعلوا سبله مستقيمة (مر 1/ 3). أن يميلوا أذنهم للشعب. أن يعلوا صوت الحق على أي صوت آخر. أن يضعوا لنا أبونا بشارة مثالًا لنا في القداسة والخدمة المضحية والمتفانية. أن يبنوا ملكوت الله هنا والآن. ولتكن والدة الإله الكاملة القداسة، في تواضعها ومثابرتها وثقتها في مشيئة الله، قدوة في العمل والسيرة والبشارة.